السيد كمال الحيدري

263

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

أنّ دار الجحيم ليست بدار نعيم ، وإنّما هي موضع الألم والمحن وفيها العذاب الدائم ، وليس هناك موضع راحة أو اطمئنان . . . وقال ما نصّه : « فلذلك كان موجب تحيّر الحكماء وتدهّش أفاضل العرفاء . . . » « 1 » . ولعلّ الشبهة التي أوقعت ابن عربي وغيره في هذا المأزق هي عدم التكافؤ بين المعصية والعذاب ، فالإنسان يقوم بمعصية محدودة في الدُّنيا فكيف يعذّب عذاباً خالداً ؟ وهذه واحدة من الإشكالات التي ذكرها صدر المتألّهين في سياق إيراده لأدلّة النافين للخلود في نار جهنّم حيث قال : « الخامس : إنّه تعالى نهى عباده عن استيفاء الزيادة فقال تعالى : فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً « 2 » وقال تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها « 3 » ، ثمّ إنّ العبد هَبْ أنّه عصى طولَ عمره ، فأين عمره من الأبد ، فيكون العذاب المؤبّد ظلماً » « 4 » . وهذه المشكلة وإن كانت من المشاكل المعقّدة إلّا أنّ الروايات أجابت عنها بأنّ الإنسان يعاقب على النيّة ، والله تعالى يقول في كتابه : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ « 5 » أي أنّ الله تعالى يعلم بأنّ هؤلاء الكفّار العُصاة المذنبين لو بقوا في الدُّنيا ليس مئة سنة فحسب بل ألف سنة أو عشرة آلاف أو مليون سنة فسيبقى عملهم على ما هم عليه ، ولذا استحقّوا العذاب الأبدي .

--> ( 1 ) تفسير القرآن الكريم ، مصدر سابق : ص 365 . ( 2 ) الإسراء : 33 . ( 3 ) الشورى : 40 . ( 4 ) تفسير القرآن الكريم ، صدر المتألّهين ، مصدر سابق : ص 364 . ( 5 ) الأنعام : 28 .